الشنقيطي

73

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يسقط الحدّ عن غير المذكور من صبي ، أو مجنون ، أو أب ، وهو قول أكثر العلماء ، وهو الظاهر . * * * المسألة الخامسة : إذا تاب المحاربون بعد القدرة عليهم ، فتوبتهم حينئذ لا تغيّر شيئا من إقامة الحدود المذكورة عليهم ، وأمّا إن جاؤوا تائبين قبل القدرة عليهم ، فليس للإمام عليهم حينئذ سبيل ؛ لأنّهم تسقط عنهم حدود اللّه ، وتبقى عليهم حقوق الآدميّين ، فيقتص منهم في الأنفس والجراح ، ويلزمهم غرم ما أتلفوه من الأموال ، ولوليّ الدم حينئذ العفو إن شاء ، ولصاحب المال إسقاطه عنهم . وهذا قول أكثر العلماء مع الإجماع على سقوط حدود اللّه عنهم بتوبتهم قبل القدرة عليهم ، كما هو صريح قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [ المائدة : 34 ] الآية ، وإنّما لزم أخذ ما بأيديهم من الأموال ، وتضمينهم ما استهلكوا ؛ لأنّ ذلك غصب ، فلا يجوز لهم تملّكه ، وقال قوم من الصحابة والتابعين : لا يطلب المحارب الّذي جاء تائبا قبل القدرة عليه إلّا بما وجد معه من المال ، وأمّا ما استهلكه ، فلا يطلب به ، وذكر الطبريّ هذا عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه . قال القرطبيّ : وهو الظاهر من فعل عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، بحارثة بن بدر الغداني ، فإنّه كان محاربا ، ثمّ تاب قبل القدرة عليه ، فكتب له سقوط الأموال والدم عنه كتابا منشورا ، ونحوه ذكره ابن جرير . قال ابن خويز منداد : واختلفت الرّواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحدّ ، ولم يوجد له مال ، هل يتبع دينا بما أخذ ، أو يسقط عنه ، كما يسقط عن السارق ؟ يعني عند مالك ، والمسلم ، والذّمي في ذلك سواء ومعنى قوله : فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً اختلف فيه العلماء ، فروي عن ابن عبّاس أنّه قال : معناها أنّ من قتل نبيّا ، أو إمام عدل ، فكأنّما قتل الناس جميعا ، ومن أحياه ، بأن شدّ عضده ونصره ، فكأنّما أحيا الناس جميعا ، نقله القرطبيّ ، وابن جرير وغيرهما ، ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن . وعن ابن عبّاس أيضا أنّه قال : المعنى ، أنّ من انتهك حرمة نفس واحدة بقتلها ، فهو كمن قتل الناس جميعا ؛ لأنّ انتهاك حرمة الأنفس ، سواء في الحرمة والإثم ، ومن ترك قتل

--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 6 / 155 ( 2 ) جامع البيان 6 / 143 ( 3 ) الجامع لأحكام القرآن 6 / 146 . ( 4 ) جامع البيان 6 / 129 .